الجصاص
543
أحكام القرآن
فممن أخذ بالتخيير عند مجيئهم إلينا الحسن والشعبي وإبراهيم رواية ، وروي عن الحسن : " خلوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم ، وإذا ارتفعوا إليكم فأقيموا عليهم ما في كتابكم " . وروى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال : " آيتان نسختا من سورة المائدة : آية القلائد ، وقوله تعالى : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا إن شاء حكم بينهم أو أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم ، حتى نزلت : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما أنزل الله في كتابه " . وروى عثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قال : نسخها قوله : ( وأن احكم بينهم بما انزل الله ) . وروى سعيد بن جبير عن الحكم عن مجاهد : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قال : نسختها : ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ) . وروى سفيان عن السدي عن عكرمة مثله . قال أبو بكر : فذكر هؤلاء أن قوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) . ناسخ للتخيير المذكور في قوله : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) ، ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق الرأي ، لأن العلم بتواريخ نزول الآي لا يدرك من طريق الرأي والاجتهاد ، وإنما طريقه التوقيف ، ولم يقل من أثبت التخيير إن آية التخيير نزلت بعد قوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ، وإن التخيير نسخه ، وإنما حكى عنهم مذاهبهم في التخيير من غير ذكر النسخ ، فثبت نسخ التخيير بقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) ، كرواية من ذكر نسخ التخيير . ويدل على نسخ التخيير قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) [ المائدة : 44 ] ، الآيات ومن أعرض عنهم فلم يحكم في تلك الحادثة التي اختصموا فيها بما أنزل الله . ولا نعلم أحدا قال إن في هذه الآيات : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) [ المائدة : 44 ] منسوخا إلا ما يروى عن مجاهد ، رواه منصور عن الحكم عن مجاهد أن قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) [ المائدة : 44 ] نسخها ما قبلها : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) وقد روى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد أن قوله : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) منسوخ بقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) . ويحتمل أن يكون قوله تعالى : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) قبل أن تعقد لهم الذمة ويدخلوا تحت أحكام الاسلام بالجزية ، فلما أمر الله بأخذ الجزية منهم وجرت عليهم أحكام الاسلام ، أمر بالحكم بينهم بما أنزل الله ، فيكون حكم الآيتين جميعا ثابتا : التخيير في أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم يجر عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا هادناهم ، وإيجاب الحكم بما أنزل الله في أهل الذمة